عمر السهروردي
297
عوارف المعارف
وهذا لا يصلح إلا لآحاد من الخلق وأفراد من الصادقين ينسلخون عن إرادتهم واختيارهم ، ويكاشفهم اللّه تعالى بمراده منهم ، فيدخلون في الأشياء بمراد اللّه تعالى ، فإذا علموا أن الحق يريد منهم المخالطة وبذل الجاه يدخلون في ذلك بغيبة صفات النفس . وهذا لأقوام ماتوا ثم حشروا ، وأحكموا مقام الفناء ثم رقوا إلى مقام البقاء ، فيكون لهم في كل مدخل ومخرج برهان وبيان وإذن من اللّه تعالى ، فهم على بصيرة من ربهم ، وهذا ليس فيهم ارتياب لصاحب قلب مكاشف بصريح المراد في خفى الخطاب ، فيأخذ وقته أبدا من الأشياء ، ولم تأخذ الأشياء من وقته ، ولا يكون في قطر من الأقطار إلى واحد متحقق بهذا الحال . قال أبو عثمان الحيري : لا يكمل الرجل حتى يستوى قلبه في أربعة أشياء : المنع ، والعطاء ، والعز ، والذل ، ولمثل هذا الرجل يصلح بذل الجاه والدخول فيما ذكرناه . قال سهل بن عبد اللّه : لا يستحق الإنسان الرياسة حتى تجتمع فيه ثلاث خصال : يصرف جهله عن الناس ، ويحتمل جهل الناس ، ويترك ما في أيديهم ، ويبذل ما في يده لهم . وهذه الرياسة ليست عين الرياسة التي زهد فيها وتعين الزهد فيها لضرورة صدقه وسلوكه ، وإنما هذه رياسة أقامها الحق لصلاح خلقه ، فهو فيها باللّه يقوم بواجب حقها وشكر نعمتها للّه تعالى .